
بات التعامل مع المشهد الإعلامي المعاصر عمليّة في غاية التشابك والتعقيد وقد زادت صعوبتها مؤخراً بصورةٍٍ ملحوظة، إذ أصبحنا غارقين في المحتوى المصطنع، ومغمورين بموجات الغضب، وأسرى لعمليات التضخيم التي تقوم عليها الخوارزميات، ممّا يجعل القراءة النقدية أكثر صعوبة وأهميّة في آنٍ واحد، ومن هنا نشأت فكرة تطبيق “كاشف المغالطات”.
بدلاً من التعامل مع اللغة على أنها معلومات محايدة، يتعامل معها التطبيق باعتبارها وسيلة إقناع، وتأطير وحذف وتأثير عاطفي وبناء للحجة. ومن هذا المنطلق، فإنّ التطبيق يساعد المستخدمين على فحص منطق ما يقرؤونه عن كثب من خلال تحديد وإبراز المغالطات المنطقية المحتملة في المقالات المنشورة على الإنترنت والنصوص الملصقة. ولا يكمن هدف التطبيق في استبدال الحكم البشري بحكم الآلة، بل يدعم المستخدمين الحقيقيين من خلال تشجيع القراءة المتأنية وتعزيز التفاعل التأملي مع المحتوى المنشور على الإنترنت.
القراءة بروح الشك وليس انعدام الثقة
المغالطات المنطقية ليست مجرّد أخطاء فنية في الاستدلال. ففي الحياة اليومية، غالباً ما تصبح هذه المغالطات أدوات اجتماعية من شأنها إعادة توجيه الانتباه، أو تعزيز الهوية الجماعية، أو تشويش الأدلة، أو جعل الادعاءات الضعيفة تبدو أقوى مما هي عليه. وتظهر هذه المغالطات في الخطاب السياسي والصحافة والتعليقات والإعلانات والمناقشات عبر الإنترنت والمحادثات العادية.
إنّ جعل هذه الأنماط أكثر وضوحاً يساعد المستخدمين على التروي وفحص الادعاءات وطرح أسئلة أفضل وأعمق حول كيفية بناء الحجة. ومن خلال التطبيق، نسعى إلى تحفيز المستخدمين على التفكير فيما يُفترض، وما يتم إدخاله عاطفياً، والتأمّل في المواضع والحالات التي يصبح فيها الإقناع بديلاً عن الأدلة والبراهين.
آلية عمل التطبيق
يمكن للمستخدمين إدخال عنوان URL أو لصق نص مباشرةً في التطبيق، وسيقوم النظام باستخراج المحتوى وتحليله باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، ومن ثمّ يعرض لهم نتائج مُعلَّمة تُبرز المقاطع المرتبطة بمغالطات معينة. بعد ذلك، يتم تجميع هذه المقاطع وتصنيفها بحيث يتمكن المستخدم من مراجعة بنية الحجة بطريقة أكثر تنظيماً.
تم تصميم التطبيق ليكون عملياً واستكشافياً في الوقت ذاته، ويمكن استخدامه لفحص المقالات الإخبارية ومقالات الرأي والخطب والمقالات وكذلك النصوص المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أنه مفيد بنفس القدر في عمليّات التدريس والبحث والتثقيف الإعلامي والتجريب الشخصي.
الذكاء الاصطناعي كمُرافق نقدي
يتسم جزء كبير من النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي اليوم بطابع ثنائي للغاية. ويميل هذان القطبان إلى التركيز على مواضيع تتعلق بالإنتاجية والأتمتة والتسريع مقابل الكشف عن الاستغلال والتأثيرات المناخية والمخاطر الوجودية. ورغم أننا نلمس بوضوح جميع هذه الجوانب للذكاء الاصطناعي، فإننا نرغب في عرض طريقة ثالثة ومغايرة لاستخدام هذه التقنيات. ومن هذا المنطلق، فإن جوهر تطبيق “كاشف المغالطات” لا يكمن في استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي لتوليد المزيد من المحتوى، بل في المساعدة على تحليل المحتوى المحيط بنا بالفعل (ويفضل أن يكون ذلك باستخدام ذكاء اصطناعي محلي يعمل على أجهزتنا الخاصة).
ولا يهتم المشروع بالذكاء الاصطناعي كمصدرٍ للإجابات بقدر اهتمامه به كأداة للشك المنظّم، إذ أنّنا مهتمّون بالتساؤل عمّا إذا كان من الممكن إعادة توجيه مسار تحليلات الآلة نحو القراءة النقدية ومساعدة المستخدمين على القراءة بعناية أكبر، والتعرف على مكامن وأوجه التلاعب بشكل أوضح، وخوض الجدال بأمانةٍ أكبر.